كانت بتديله بواقي الأكل كل يوم بالليل وهي فاكرة إنه طفل جعان… بس بعد سنين وقفت قدامه مش قادرة تنطق بكلمة، بعد ما عرفت الحقيقة اللي خباها عنها طول عمره.
كل يوم بالليل، وقبل ما الست إلهام تقفل باب مطعمها الصغير، كانت بتشوفه واقف في نفس المكان.
ولد غلبان وجسمه نحيف، يدوب عنده 12 سنة، بهدوم قديمة وجزمة مقطعة.
عمره ما قرب من الزباين، ولا طلب فلوس، ولا نطق بكلمة.
كان بيكتفي إنه يقف يستنى في هدوء، وكأنه عارف إن فيه حد في الدنيا دي لسه حاسس بيه.
في كل مرة، كانت إلهام تلم اللي باقي من الأكل النضيف، وتحطه في كيس، وتديهوله بابتسامة تفتح النفس.
كان ياخده بإيديه الاتنين، ويوطي راسه وهو بيشكرها، ويمشي.
المشهد ده فضل يتكرر شهور، لحد ما بقى حتة من يومها.
بس كان فيه حاجة واحدة محيراها…
عمرها ما شافته بياكل لقمة.
وفي ليلة من الليالي، الفضول غلبها.
قالت له:
“يا ابني… لا مؤاخذة في السؤال، بس فين أهلك؟ وليه مش بتاكل هنا؟”
وشه جاب ألوان، ووطى راسه في الأرض لكام ثانية.
بعدين ابتسم ابتسامة باهتة وقالها:
“شكراً على كل اللي عملتيه معايا…
بس مش هقدر أرد عليكِ.”
وجري واختفى في ثانية.
الليلة دي، إلهام معرفتش تدوق طعم النوم.
كان فيه في عين الولد ده وجـ,ـع أكبر بكتير من وجـ,ـع الجوع.
وتاني يوم، قررت تمشي وراه وتشوف حكايته.
مشي مصطفى في شوارع ضيقة وحواري متدارية لحد ما وصل لبيت قديم على أطراف المنطقة.
هي افتكرت إنه هيدخل ياكل.
بس اتفاجأت بيه بيحط كيس الأكل قدام الباب، ويرجع لورا بسرعة ويستخبى ورا سور قديم.
بعد ثواني، الباب اتفتح وخرجت ست ومعاها تلات عيال صغيرة.
وأول ما شافوا الأكل، الفرحة مالت وشوشهم وكأنهم لقوا كنز نازل لهم من السماء.
وقفت إلهام في مكانها والدموع مغرقة عينيها. وتاني يوم، قررت إلهام تعمل مفاجأة لمصطفى. جهزت شنطتين كبار مليانين من أحسن وأجود الأكل السخن، واستنته في نفس الميعاد.
لما جه ووقف في مكانه، مديت إيدها بالشنطتين وقالتله بنبرة كلها حنية وأمومة:
الكاتب_رومانى_مكرم
“شنطة ليك ولعيلتك، وشنطة تانية للست الطيبة وولادها اللي في البيت القديم.. ومتقلقش يا حبيبي، أنا مش هسألك تاني عن حاجة، بس من هنا ورايح مفيش حد منكم هينام جعان.”
دموع مصطفى نزلت غصب عنه، وباس إيدها وهو بيترعش، وأخد الشنط وجري.
ومن اليوم ده، بقت إلهام بتجهزله كل يوم أكل يكفي عيلته كلها، ووفرت له شغلانة خفيفة في المطعم عشان يقدر يساعدهم بكرامته.
بعد مرور 15 سنة…
مرت الأيام والسنين،
وسيبلى لايك وكومنت بالصلاه على النبي وهرد عليك بباقى القصه كامله للنهايه حكايات رومانى مكرم @أبرز المعجبين بعد مرور 15 سنة… كانت الست إلهام لسه بتفتح مطعمها الصغير كل صباح، رغم إن سنين العمر بانت على وشها، لكن ابتسامتها كانت زي ما هي. وفي يوم… دخل شاب أنيق، لابس بدلة بسيطة، ومعاه باقة ورد.
وقف قدامها وقال بابتسامة: — السلام عليكم. ردت وهي مبتسمة: — وعليكم السلام… اتفضل يا ابني. فضل يبصلها كام ثانية… وبعدين قال: — فاكراني؟ بصتله باستغراب وهزت راسها. ابتسم وقال: — أنا مصطفى… الولد اللي كنتِ بتديله الأكل كل ليلة. وقعت الصينية من إيدها. وحطت إيدها على بقها وهي بتقول: — معقول… إنت مصطفى؟ هز راسه والدموع في عينيه. — أيوه يا طنط… لولاكي أنا وإخواتي كنا ضعنا. قعدت تبكي من الفرحة. وقالت: — الحمد لله… كنت كل يوم بدعيلك من غير حتى أعرف اسمك.
ابتسم وقال: — ولسه في حاجة متعرفيهاش. أنا ماكنتش باخد الأكل لعيلتي وبس… البيت اللي كنتِ شوفتيه كان بيت جارتي الأرملة. أبويا كان متوفي، وأمي كانت مريضة، وكنا بنشتغل أنا وإخواتي أي شغلانة نلاقيها. لكن الست دي كانت أرملة وعندها تلات أطفال أصغر مني. كنت بشوفهم بيناموا من غير أكل… فكنت أديهم الأكل الأول. ولو فضل حاجة… أرجع بيها لبيتي. الست إلهام انفجـ,ـرت في البكاء. وقالت: — يعني كل السنين دي… كنت بتحرم نفسك علشان غيرك؟
ابتسم مصطفى وقال: — إنتِ علمتيني ده. إنتِ أول واحدة ادتني من غير ما تسأل أنا مين. ولما شفت خيرك… قولت لازم الخير يكمل. وبعدين مد إيده بظرف أبيض. قالت باستغراب: — إيه ده؟ قال: — عقد ملكية المطعم. شهقت وقالت: — يعني إيه؟ ابتسم وقال: — أنا بقيت صاحب شركة أغذية كبيرة. وأول ما ربنا كرمني… دورت عليكي سنين. اشتريت المبنى كله… وسجلت المطعم باسمك. من النهارده… لا إيجار، ولا ديون، ولا هم. الست إلهام كانت بتبكي وهي مش قادرة تتكلم.
مسك إيديها وقال: — زمان كنتِ بتقوللي: “مفيش حد هينام جعان.” النهارده… جه دوري أقولك: “مفيش يوم هيعدي عليكي محتاجة فيه حاجة.” واجتمع العاملون بالمطعم يصفقون بحرارة، بينما احتضنت إلهام مصطفى وهي تردد: — الحمد لله… الخير عمره ما بيضيع.