ملكش حق يا بدر.. مرات أخوك الله يرحمه لسه صبية وحلوة، والعرسان كل شوية يدقوا بابنا. يا تتجوزها وتربي ولاد أخوك، يا تسيبها تشوف حالها وتتلم على راجل يصونها!” دا كان صوت سميحة اللي واقفة في وسط الصالة، حاطة إيدها في وسطها وبتبص لبدر بنظرة كلها لوم وعتاب، وصوتها كان فيه حدة خلت بدر يغمض عينه بضيق لكن أول ما سمع جملة “راجل يصونها” دي، حس بنغزة في قلبه كأن حد ضـ,ـربه بسـ,ـكينة. قام وقف فجأة وعروق رقبة ظهرت من الغيظ، وصوته طلع مكتوم ومنفعل: حكايات نورهان العشري — “تشوف حالها؟ تتجوز مين يا أما؟
ولاد حامد لسه ريحة أبوهم في البيت، عايزة غريب يدخل ينام في سريره ويربي عياله؟” سميحة قربت منه ووضت صوتها بمكر الأمومة: — “ما هو ده اللي بنقوله يا ضنايا.. الغريب ملوش أمان، لكن أنت عمهم وسندهم. نهال بقالها سنتين أرملة، شالت فوق طاقتها وصابرة، وهي لسه في عز شبابها. هتفضل قافل عليها وعلى نفسك لمتى؟” بدر لف وشّه الناحية التانية، مش عايز يبص في عين أمه عشان متقراش اللي فيها. هو بيحب نهال.. بيحبها من قبل حتى ما حامد الله يرحمه يخطبها، بس كان دايماً بيكتم في قلبه ويقول “دي عرض أخويا”.
وبعد ما حامد مـ,ـات، الحب ده اتحول لمرض وجع قلبه أكتر. — “مش هتجوزها يا أما.. قفلي على السيرة دي. أنا مش هخـ,ـون حامد وهو تحت التراب، مش هاخد مكانه في بيته ومع مراته.. أنا مش واطي للدرجة دي!” سميحة خبطت على صدرها بشهقة: — “خـ,ـيانة إيه يا مغلبني؟ ده شرع الله، وده ستر لولاد أخوك! نهال ست أدب وأصل، ولو وافقت فده عشان خاطر العيال، مش عشان حاجة تانية.” بدر سابها وخرج البلكونة، ولع سيجارة وإيده بتترعش. كان شايف نهال من شباك المطبخ وهي بتنشر هدوم العيال، وشها كان شاحب بس لسه ملامحها الرقيقة بتخـ,ـطف قلبه.
الغيـ,ـرة كانت بتاكله من مجرد فكرة إن “عريس” ممكن يقرب منها، وفي نفس الوقت، خياله كان بيصورهاله وهي لابسة أبيض لحامد، فبيحس إنه لو لمس إيدها يبقى بيغرز خنجر في ضهر أخوه.
★كملوها من أول تعليق بدر فضل واقف في البلكونة لحد ما السيجارة اتحـ,ـرقت بين صوابعه وهو مش حاسس. أول مرة يحس إنه متقسم نصين… نص بيشدّه ناحية وعد قطعه لنفسه يوم دفـ,ـن أخوه، ونص تاني بيصرخ كل ما يشوف نهال وهي شايلة الدنيا كلها لوحدها.
في نفس اللحظة، نهال كانت واقفة في المطبخ، سمعت آخر جزء من الكلام من غير ما حد ياخد باله. دمعة نزلت على خدها بسرعة ومسحتها قبل ما حد يشوفها. هي كمان كانت رافضة فكرة الجواز من بدر… مش لأنها مش بتثق فيه، لكن لأنها كانت خايفة الناس تقول إنها استنتش أخو جوزها بعد مـ,ـوته. عدّى أسبوع، وفي يوم العصر، جه عريس جديد مع أمه وأخته. راجل محترم، شغال مهندس، ومعاه شقة جاهزة. سميحة بصت لنهال وقالت بهدوء:
— القرار قرارك يا بنتي… إحنا مش هنغصبك.
لكن بدر أول ما عرف إن العريس جوه البيت، حس إن الأرض بتميد بيه. خرج من شغله قبل ميعاده، ودخل البيت ووشه كله توتر. سمع صوت ضحكة طالعة من الصالة… قلبه وقع. وقف عند الباب، وبص لنهال وهي قاعدة بكل احترام، والعريس بيتكلم مع ولاد حامد ويحاول يهزر معاهم. الصغير فجأة جري على بدر أول ما شافه، ومسِك في رجله وهو بيقول بصوت بريء: — يا عمو… هو الراجل ده هيقعد مكان بابا؟ الصالة كلها سكتت.
والعريس نفسه نزل بعينه في الأرض. أما بدر… فحس إن السؤال ده كسر آخر حائط كان بيستخبى وراه. رفع عينه وبص لنهال… ولأول مرة من سنتين، لقاها هي كمان بتبص له بنفس الحيرة… وكأنها مستنية منه كلمة واحدة، الكلمة اللي ممكن تغيّر مصير البيت كله. ياترى بدر هيعترف باللي في قلبه؟ ولا هيسيب نهال تبدأ حياة جديدة مع حد تاني؟