أكيد، نكمل من اللحظة اللي سمر اكتشفت فيها إن جوزها كان شاكك في أهلها. وهنخلي الجزء ده فيه تصاعد وأسرار أكتر. الجزء الثاني فضلت باصة للجملة الأخيرة في جواب جوزي، ومش قادرة أستوعبها. “أبوكي وأمك عارفين أكتر مما تتخيلي.” إزاي؟ وليه؟ إيه علاقة أبويا وأمي بمـ,ـوت جوزي؟ وإيه اللي كان جوزي عارفه وأنا معرفوش؟ خبط أبويا على الباب تاني. “سمر… افتحي يا بنتي.” خبّيت الجواب جوه هدومي، وقمت فتحت الباب. أبويا كان واقف قدامي، وراه أمي.
بص لي في عيني وقال: “إنتي كويسة؟” بصيت له وقلت: “لأ.” اتوتر للحظة. “يعني إيه لأ؟” “يعني مش كويسة يا بابا. جوزي وبنتي ماتوا… وأنا مش عارفة حتى أنا عايشة ليه.” أمي قربت مني وحاولت تمسك إيدي. سحبت إيدي بهدوء. بصت لي باستغراب. “إنتي زعلانة مننا؟” قلت: “أنا زعلانة من الدنيا كلها.” أبويا دخل الأوضة وقعد على الكرسي. “بصي يا سمر، أنا مش عايز أضغط عليكي. بس لازم نتكلم بعقل.” “عن إيه؟” سكت ثواني. وبعدين قال:
“عن مبلغ التأمين.” بصيت له من غير ما أتكلم. كمل: “جوزك كان مأمن على نفسه بمبلغ كبير، صح؟” قلبي دق بسرعة. “إنت عرفت منين؟” أبويا اتلخبط. “يعني… الناس بتقول.” “مين الناس؟” “سمر، إحنا مش جايين نحقق معاكي.” ضحكت بسخرية. “غريبة… أنا حاسة إنكم جايين تعملوا بالظبط كده.” أمي اتدخلت بسرعة: “يا بنتي، أبوكي بس خايف عليكي. إنتي دلوقتي أرملة، ومفيش حد هيحميكي.” بصيت لها. “جوزي كان بيحميني.” سكتت. فقلت: “بس هو مات.” نزلت عيني للأرض.
وفجأة أبويا قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: “كان لازم يمـ,ـوت علشان تعرفي قيمة الفلوس اللي سابهالك.” رفعت عيني له بسرعة. “إنت قلت إيه؟” اتوتر. “أنا… قصدي إن موـ,ـته خلاكي مسؤولة عن كل حاجة.” لكن أنا كنت متأكدة إني سمعت الكلمة. “كان لازم يمـ,ـوت.” دخلت أمي بسرعة: “أبوكي تعبان ومش عارف بيقول إيه.” بصيت لهم الاتنين. ولأول مرة… حسيت إني قدام غرباء. بعد ما خرجوا من الأوضة، قفلت الباب بالمفتاح. طلعت جواب جوزي. قعدت على السرير وكملت القراءة.
كان مكتوب: “سمر، أنا مش عايزك تخافي. لكن قبل وفاتي بأسبوعين، اكتشفت إن حد كان بيحاول يسحب فلوس من حسابي. في البداية افتكرت إنها غلطة من البنك. لكن لما راجعت التحويلات… اكتشفت إن الشخص اللي عملها كان قريب جدًا مني.” وقفت عن القراءة. قريب جدًا منه؟ قلبت الصفحة. “أنا واجهته.” إيدي بدأت تترعش. “ولما واجهته، أنكر كل حاجة. لكن عندي دليل.” دليل؟ قلبت الصفحة بسرعة. وكان فيه صورة صغيرة مطبوعة. صورة لتحويل بنكي. المبلغ كان كبير.
لكن اللي صدمّني مش المبلغ. كان اسم صاحب الحساب اللي الفلوس اتحولت له. حسيت إن نفسي اتقطع. كان اسم… أبويا. فضلت باصة للاسم وقت طويل. مستحيل. أكيد فيه تفسير. أكيد جوزي غلطان. أبويا ممكن يعمل أي حاجة… لكن مش دي. سمعت صوت خطوات في الصالة. وبعدين صوت أمي: “هي لسه جوه؟” أبويا رد: “آه.” “ولقيت الورق؟” اتجمدت مكاني. الورق؟ أي ورق؟ قربت من الباب بهدوء، وسمعت أبويا بيقول: “لازم نعرف هي لقت إيه.” أمي قالت:
“ولو كانت لقت الجواب؟” سكت أبويا. وبعدين قال بصوت منخفض: “يبقى لازم ناخده منها قبل ما تعرف الباقي.” رجعت خطوتين لورا. إيدي اتحطت على بوقي علشان ما أصرخش. جريت ناحية الشباك. لكن قبل ما أوصل… سمعت مفتاح بيتحط في كالون باب أوضتي. أبويا كان بيحاول يفتح الباب. بصيت للجواب في إيدي. وبصيت للباب. ولأول مرة فهمت إن جوزي ماكانش بيبالغ. هو كان عارف إن الخطر… مش جاي من بره البيت. الخطر كان واقف على الناحية التانية من الباب.
الجزء الثالث والأخير فضلت واقفة قدام الباب، والجواب في إيدي. مفتاح الباب اتحرك مرة تانية. وبعدين سمعت صوت أبويا: “سمر… افتحي.” ما رديتش. قال بصوت أهدى: “إحنا عايزين نتكلم بس.” بصيت ناحية الشباك. مفيش مكان أهرب منه. وبعدين افتكرت حاجة. جوزي كان دايمًا بيقول لي: “لو في يوم حسيتِ إنك مش عارفة تعملي إيه، دوري على الحاجة اللي أنا سايبها لك.” جريت ناحية الدولاب. فتحت الدرج الأخير. كان فيه صندوق صغير مقفول. أنا عمري ما شفته قبل كده.
طلعت المفتاح من الظرف. جربته. فتح. جواه فلاشة USB، وموبايل قديم، وملف بني. مسكت الموبايل. كان عليه تسجيل واحد بس. ضغطت تشغيل. ظهر صوت جوزي. صوته كان هادي، لكن واضح إنه كان بيتكلم وهو خايف. “سمر، لو التسجيل ده وصلك، يبقى أنا غالبًا مت.” دموعي نزلت. كمل: “أنا عرفت إن أبوكي كان بيحوّل فلوس من حسابي لحسابه من فترة طويلة.” شهقت. “لكن دي مش أكبر مشكلة.” سكت ثواني. “أكبر مشكلة إن أبوكي مش لوحده.” صوت أمي ظهر في الخلفية في التسجيل.
كانت بتقول: “إنت لازم توقف الموضوع ده يا حسن.” جوزي رد: “أنا مش هسكت.” أمي قالت: “لو اتكلمت، كلنا هنروح في داهية.” التسجيل وقف لحظة. وبعدين رجع صوت جوزي: “سمر، أمك كانت عارفة.” حسيت الدنيا بتلف بيا. فتحت الملف البني. جواه صور ومستندات. تحويلات مالية. رسائل. وأهم حاجة… تقرير عن العربية اللي حصل بيها الحادث. قريت السطر الأول. “تم اكتشاف عطل متعمد في نظام الفرامل.” وقعت الورقة من إيدي. جوزي ما ماتش في حادث عادي.
العربية اتلعب فيها. وبين المستندات كان فيه تسجيل آخر. شغلته. صوت أبويا: “الحادث لازم يبان طبيعي.” صوت أمي: “بس والبنت؟” أبويا رد: “هي كانت معاه.” أمي شهقت: “يعني بنتنا كمان كانت هتمـ,ـوت؟” رد أبويا: “مفيش حل تاني.” حطيت إيدي على بوقي. بنتي… بنتي كانت هدفهم كمان. بدأت أعيط بصوت مكتوم. في اللحظة دي الباب اتفتح. أبويا دخل. أمي وراه. بصوا لي. وبعدين بصوا للصندوق المفتوح. وشهم اتغير. أبويا قال: “إنتي لقيتيه.” قلت: “آه.” سكت. قلت وأنا ببص له:
“إنت قـ,ـتلت جوزي.” أمي بدأت تعيط. “سمر، اسمعيني.” صرخت: “ما تقوليش اسمعيني!” أبويا حاول يقرب. رجعت لورا. “إنت قتـ,ـلت جوزي علشان فلوس التأمين.” قال: “ماكانش قدامنا حل.” ضحكت من شدة الصدمة. “ماكانش قدامكم حل؟” بصيت لأمي. “وإنتي؟” فضلت ساكتة. قلت: “إنتي كنتي عارفة؟” دموعها نزلت. “أنا حاولت أمنعه.” “لكن ما منعتيهوش.” سكتت. “كنتِ عارفة إن العربية فيها عطل، وسكتّي.” قالت: “أنا كنت خايفة.” رديت: “وأنا؟” سكت. “أنا بنتك.” أبويا قال: “إحنا عملنا ده علشان نطلع من الديون.”
بصيت له بعدم تصديق. “الديون؟” قال: “كان علينا فلوس كتير.” ضحكت. “فقـ,ـتلتوا جوزي؟” قال: “كنا فاكرين إن التأمين هينزل بسرعة.” وقتها فهمت كل حاجة. سؤالهم أول ما رجعت من الدفـ,ـن. “شركة التأمين صرفت التعويض ولا لسه؟” ماكانش سؤال بدافع الخوف عليا. كانوا مستنيين يعرفوا إذا خطتهم نجحت. لكن أبويا ماكانش يعرف إن جوزي كان أذكى منهم. طلعت الفلاشة ورفعتها قدامه. قلت: “كل اللي عملتوه متسجل.” وشه اصفر. “الفلاشة دي…” “آه.” ابتسمت لأول مرة. “اتنسخت.” سكت.
كملت: “وفي نسخة اتبعتت للمحامي.” أمي بدأت تنهار. أبويا اندفع ناحية الفلاشة. لكن قبل ما يوصل لي، سمعنا صوت جرس الباب. وبعدين طرق شديد. صوت من بره: “شرطة! افتحوا الباب!” أبويا وقف مكانه. بص لي. وأنا قلت: “كنت فاكرة إن جوزي مات وسابني لوحدي.” دموعي نزلت. “طلع مات وهو بيحاول يحميني.” دخلت الشرطة. وبعد ساعات طويلة من التحقيق، اتكشف كل شيء. التحويلات. التسجيلات. تلاعبهم بالعربية. والخطة اللي كانوا عاملينها علشان يحصلوا على مبلغ التأمين. لكن كان فيه مفاجأة أخيرة.
شركة التأمين ما كانتش هتديني المبلغ لمجرد إن جوزي مات. كان لازم التحقيق يخلص. وجوزي كان عامل وثيقة تأمين إضافية قبل وفاته بأيام. المستفيد الوحيد فيها… أنا. مش أبويا. مش أمي. أنا. ومعها كان سايب لي شقة باسمي، وحساب توفير، ورسالة أخيرة. بعد ما خلص كل شيء، رجعت البيت لوحدي. دخلت أوضتي. قعدت على السرير. فتحت الرسالة. وكان مكتوب: “سمر، أنا عارف إنك هتكوني مكسورة. وعارف إن أول حاجة هتسألي نفسك عنها هي: ليه حصل كل ده؟
بس عايزك تعرفي حاجة واحدة. إنتي مش السبب. وبنتنا مش السبب. أنا اخترت أواجههم علشان أحميكم. ولو أنا مش موجود، أوعي تسمحي لحد يقنعك إنك ضعيفة. إنتي أقوى مما تتخيلي. والفلوس اللي سبتها لك مش علشان تعيشي بيها. دي علشان تبدأي حياة جديدة. بعيدة عن كل شخص استغل حبك. وبعيدة عن كل شخص شافك فرصة بدل ما يشوفك إنسانة.” وقفت عند آخر سطر. “ولو أبوكي وأمك سألوكي يومًا عن فلوس التأمين قبل ما يسألوكي عن حالك…
اعرفي إنهم ماجوش علشانك.” حضنت الرسالة لصدرى. وبكيت. لكن المرة دي… ماكانش بكاء خوف. كان بكاء نهاية. بعد شهور، صدر الحكم. أبويا وأمي اتحاسبوا على كل اللي عملوه. وأنا بعت البيت القديم. وسبت كل حاجة كانت بتفكرني بيهم. بدأت حياة جديدة. ماكانتش سهلة. كنت بصحى أوقات وأفتكر جوزي وبنتي. وأوقات كنت بمد إيدي ناحية السرير علشان ألمس بنتي… وأفتكر إنها مش موجودة. لكن كنت بفتكر كلام جوزي. “إنتي أقوى مما تتخيلي.” وفي يوم، وصلتني رسالة من المحامي.
كان فيها آخر مستند جوزي سايبه. فتحت الورقة. لقيت إنه قبل موـ,ـته بأسبوع كان حجز باسمي مشروع صغير كنت بحلم أعمله من سنين. وفي أسفل الورقة كتب: “لما تخلصي حزنك، ابدئي.” وقتها فهمت إن جوزي ماكانش سايب لي فلوس بس. كان سايب لي فرصة أبدأ من جديد. ومن يومها، قررت ما أخليش آخر حاجة حصلت في حياتي تكون مـ,ـوتهم. قررت إن آخر حاجة تحصل… تكون حياتي الجديدة. أما السؤال اللي بدأ كل الحكاية… “شركة التأمين صرفت التعويض ولا لسه؟”
فبعد ما عرفت الحقيقة، فهمت إنهم كانوا فاكرين إنهم بيستعجلوا الفلوس. لكن الحقيقة… إن السؤال ده هو اللي كشفهم. لأنهم في اللحظة اللي كانوا مستنيين فيها يعرفوا قيمة التعويض… كان جوزي بالفعل سايب الدليل اللي هيوقعهم. وأنا؟ أنا ماخدتش الفلوس علشان أنسى. خدتها علشان أفتكر إن آخر حاجة حاولوا ياخدوها مني… كانت حياتي. لكنهم فشلوا. لأني رغم كل اللي خسرتُه… لسه واقفة.
